الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

485

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

حكما ثم عدلوا عن فهمهم وإن كان إمكان ذلك في شأنهم مكابرة ظاهرة وحينئذ فنقول إن حكم الأخباري قابل للتغيير إلى آخر ما ذكر وأما ثانيا فبأنه لو تم فإنما يتم لو قلنا بكون ما يفيده الظن هو حكم الله الواقعي ليكون الأخذ به مطلوبا من حيث كشفه عن الواقع وكونه طريقا إليه ليكون حكما ظاهريا كما هو المذهب عندنا فلا إذ تغيير الأحكام الظاهرة غير عزيز في الشريعة وقد اتفق عليه الفريقان كما إذا وجد شيئا في أسواق المسلمين فحكم بحله ثم علم بعد ذلك كونه حراما لو أخذ لحما من يد مسلم ثم علم كونه لحم خنزير أو ميتة فإن حكمه بالحل أولا حكم ظاهري قد انكشف بعد ذلك خلافه ولو جعل كلا من الحل والحرمة المتعلقين بالموضوع الواحد حكما واقعيا في المقام فمع وضوح فساده يجري الدليل المذكور بالنسبة إليه أيضا فلا بد من الالتزام بفساده والقول بعدم جواز الأخذ بأحد الحكمين المذكورين وهو واضح الفساد فظهر أنه لا دلالة لأبدية الأحكام على عدم جواز الأخذ بالاجتهاد القابل للتغيير إذ لا يتوهم أحد نسخ الحكم بعد رجوع المجتهد عنه حتى يلزم انقطاع الحكم وخروجه عن التأبيد بل ليس اختلاف الحكم من جهة الاختلاف في الاجتهاد والرجوع عن الحكم الأول إلا ظاهريا كالاختلاف الحاصل في الحكم المتعلق بالموضوع الواحد من جهة انكشاف خلاف ما يثبت أولا كما عرفت في المثال المذكور فكما يحكم هناك بالحل في وقت وبالحرمة في وقت آخر مع كون الحكم الواقعي المتعلق بذلك الموضوع المعين شيئا واحدا لا يختلف بحسب اختلاف العلم والجهل به فكذا في المقام وكما أن ذلك لا يقضي بانقطاع حكم الشريعة وخروجه عن التأبيد فكذا الحال في محل الكلام وأما ثالثا فبأنه إن أراد بقوله كل حكم اجتهادي قابل للتغيير بالنسبة إلى الموضوع المفروض حينئذ مع جميع خصوصياته فممنوع ضرورة أنه ما دام المجتهد باقيا على حاله الأول لا يمكن تغيير ذلك الحكم في بيانه أصلا وإن أراد أنه قابل للتغيير في الجملة ولو بسبب تغير حاله كأن يصير ظانا بخلاف ما ظنه أولا فممنوع ولا مانع منه ضرورة أن أبدية الأحكام لا تقضي بعدم اختلافها بحسب اختلاف أحوال المكلفين كيف واختلاف صلاة الحاضر والمسافر والصحيح والمريض والقادر والعاجز من الضروريات ولا منافاة فيه لأبدية الأحكام الثابتة بالضرورة أصلا فكذا الحال في المقام ورابعا فبأنه إن أراد بكون كل حكم اجتهادي قابلا للتغيير أن ما يحكم به المجتهدون من الأحكام قابل للتغيير فهو ممنوع بل فاسد لأن ما يدركه من الأحكام غير قابل للتغيير عما هو عليه فإنه إن كان ما أدركه مطابقا للواقع لم يكن قابلا للتغيير عما هو عليه وإن أدرك بعد ذلك خلافه غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه ثانيا وإن كان غير مطابق للواقع فكذلك أيضا غاية الأمر أن يكون معذورا في خطائه فيه أولا وإن أريد به أن نفس حكمه وإدراكه قابل للتغيير بأن يدرك ثانيا خلاف ما أدركه أولا فيزول إدراكه الأول ويخلفه الثاني فممنوع ولا يلزم من ذلك أن يكون إدراكه مطلقا منافيا للشريعة الأبدية كما هو القضية الكلية المدعاة إذ قبول الإدراك للتغيير إنما يقضي بعدم الملازمة بينه وبين إصابة الواقع لأنه لا يكون مصيبا للواقع مطلقا فأقصى ما يلزم من الدليل المذكور أن ظنون المجتهدين قد تصيب الواقع وقد تخطيه وهذا مما اتفق عليه أصحابنا واتفقوا مع ذلك على وجوب العمل بظنه إذ لا منافاة بين عدم إصابة الظن للواقع ووجوب العمل بمؤداه كما هو الحال في سائر الطرق المقررة في الشريعة فلا تغفل ومنها أن الدليل الدال على وجوب عصمة الإمام عليه السلام قاض بعدم جواز الرجوع إلى الظن فإنهم قالوا باعتبار العصمة في الإمام عليه السلام من جهة حصول الاعتماد بقوله على قوله والوثوق بما يؤدّيه فقضية ذلك أن لا يجب اتباع ما لا يقطع مصادفته للواقع ويحتمل فيه انتفاء الإصابة نظرا إلى العلة المذكورة فكما أن جعل الإمام حجة يقضي بعصمته فيكون كلامه مفيدا للقطع وحجة قاطعة للعذر في الكشف عن الواقع كذا كون سائر الوجوه والأدلة حجة على المكلف يتوقف على كونها مفيدة للقطع كاشفة عن الواقع ليكون قاطعة لعذر المكلف ومن البين أن رأي المجتهد مما لا وثوق بكشفه عن الواقع بالنسبة إلى المجتهد نفسه فكيف لغيره وفيه أولا أن ذلك منقوض بما يذهب إليه الأخبارية من جواز رجوع الجاهل إلى العالم والبصير بالأخبار وكذا اعتماد العالم بقول الثقة ومن البين أن قول الواحد لا يفيد العلم بالواقع لو فرضنا حصول العلم بوثاقته بالمعاشرة الباطنة الموصلة إلى درجة اليقين بالعدالة مع أنه في كمال القدرة لعدم بلوغه بذلك إلى درجة العصمة كيف ولولا كذلك لاكتفي بذلك في الإمام أيضا فكيف مع الاكتفاء فيها بحسن الظاهر كما هو المذهب إذ لا يقطع معه بحصول العدالة فضلا عن القطع بمطابقة ما يحكيه للواقع فلو تم ما ذكروه لقضي باعتبار العصمة في الوسائط التي بين المكلف وبين الأنام في زمان الحضور في أزمنة الغيبة مضافا إلى أن القواعد المقررة في الشريعة لاستكشاف أحكام الموضوعات كأصالة طهارة الماء وأصالة صحة فعل المسلم وقبول أخبار ذي اليد ونحوها لا يفيد قطعا بالواقع مع أن الشارع حكم بجواز الرجوع إليها اتفاقا من الفريقين بل إجماعا من المسلمين وكذا الحال في استصحاب حكم العموم إلى أن يأتي المخصص واستصحاب الحكم الثابت إلى أن يثبت نسخه ولو قيل بحصول القطع هناك بتجويز الشرع فهو بعينه جاز في المقام إذ القائلون بحجية الظن إنما يقولون به لقيام الدليل القاطع عليه لا بمجرد كونه ظنا وثانيا بالفرق الظاهر بين الإمام والمجتهد فإن الإمام عليه السلام أمين الله على كافة الأنام وله الرئاسة العامة ووجوب الطاعة على الخاص والعام وهو مرجع الجميع في استفادة الأحكام ومع ذلك لا يستند في العلم بها إلى الأسباب الظاهرة ومن البين أن مجرد العدالة غير كاف في اطمئنان النفس بمثل ذلك إذ لا تطمئن بقول العدل إذا ادعى شيئا خارجا عن المعتاد خارقا للعادة الجارية بين الناس بل يتسارع الظنون إليه بالتهمة نعم لو دل الدليل على عصمته كان قوله برهانا قاطعا لا مجال لإنكاره فالفرق بينه وبين المجتهد ظاهر من وجوه شتى فاعتبار العصمة فيه لا يقضي باعتبارها في المجتهد الذي هو بمنزلة الراوي عنهم عليهم السلام ولا يكون السبيل الذي يستنبطه ذلك المجتهد قطعيا بعد القطع بوجوب العمل بمؤداه ومنها أن فتح سبيل العلم على المكلفين وتكليفهم بالعلم بالأحكام من اللطف فيجب أن يكون حاصلا لوجوب اللطف على الله تعالى أما الصغرى فلما فيه من تعويل العبد إلى الطاعة وإبعاده عن المعصية ما ليس في الظن لوضوح أن اليقين ادعي إلى تحصيل